ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )
189
المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر
المزهر أيقن أنهن هوالك ، وغرض الأعرابية من هذا القول أن تصف زوجها بالجود والكرم ، إلا أنها لم تذكر ذلك بلفظه الصريح ، وإنما ذكرته من طريق الكناية على وجه الإرداف الذي هو لازم له . وكذلك ورد في الأخبار النبوية أيضا ، وذاك أن امرأة جاءت إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فسألته عن غسلها من الحيض ، فأمرها أن تغتسل ، ثم قال : « خذي فرصة من مسك فتطهّري بها » قالت : كيف أتطهر بها ؟ فقال : « تطهّري بها » قالت : كيف أتطهر بها ؟ قال : « سبحان اللّه ! تطهّري بها » فاجتذبتها عائشة رضي اللّه عنها إليها ، وقالت : تتبّعي بها أثر الدم ، فقولها « أثر الدم » كناية عن الفرج على طريق الإرداف ؛ لأن أثر الدم في الحيض لا يكون إلا في الفرج ، فهو رادف له . ومما ورد من ذلك شعرا قول عمر بن أبي ربيعة « 1 » : بعيدة مهوى القرط إمّا لنوفل * أبوها وإمّا عبد شمس وهاشم فإن بعد مهوى القرط دليل على طول العنق . ومن لطيف هذا الموضع وحسنه ما يأتي بلفظه مثل ؛ كقول الرجل إذا نفى عن نفسه القبيح : مثلي لا يفعل هذا : أي أنا لا أفعله ، فنفى ذلك عن مثله ويريد نفيه عن نفسه ؛ لأنه إذا نفاه عمن يماثله ويشابهه فقد نفاه عن نفسه لا محالة ؛ إذ هو ينفي ذلك عنه أجدر ، وكذلك يقال : مثلك إذا سئل أعطى : أي أنت إذا سئلت أعطيت ، وسبب ورود هذه اللفظة في هذا الموضع أنه يجعل من جماعة هذه أوصافهم تثبيتا للأمر وتوكيدا ، ولو كان فيه وحده لقلق منه موضعه ، ولم يرس فيه قدمه ، وهذا مثل قول القائل إذا كان في مدح إنسان : أنت من القوم الكرام : أي لك في هذا الفعل سابقة ، وأنت حقيق به ، ولست دخيلا فيه .
--> ( 1 ) البيت من أبيات له رواها أبو الفرج الأصبهاني في الأغاني ( 1 - 157 دار الكتب ) وأول هذه الأبيات قوله : نظرت لها بالمحصّب من منى * ولي نظر لولا التّحرّج عارم